
هذه المدينة تدفع ثمناً باهظاً لمزاجي. لم يتبق لها مساحة لا للفهم ولا للحب. لم أعد أرى فيها ألا انزلاقاً سهلاً لكل خصوصية أملكها. سقوطاً فجائعياً للذكريات كانت هوية أتنفسها ووطناً آمن ليله.
روحي مفلسة.. روحي لا شيء.
ربما لو لم تكن بالبال لصار الوضع أفضل. رهانات الفشل بغيابك أقل.
عاجزة أنا ..؟ أجل.. باردة؟ هل تمهلني عمرك؟ نعم كل عمرك. لأكون كأساً تستحقه عيناك. أنت الجميل كقطرة ماء منسية على طاولتي. كحبة سكر هربت من شاي أحمر. أنت قصيدة لن أفهمها. أغنية ستمل غداً الهبوط في أذني.
أنا أرملة, لأن الموت يتمشى في أنفي, ولأن رجلاً كان حبيبي, لم يعد هنا. ومن فرط الغياب صرت أشك في وجوده أصلاً، وأخذت أصادر-كمايفعل الآخرون- حقي بأن أحزن.
أتكوم اللحظة على رائحته وأزوغ عنهم, فربما التقينا في البال.
أشعر الآن بضرورة الاحتفاظ بهذه المدينة, بتخليل تفاصيلها في مياه مملحة. ثم أدير ظهري عنها وأمضي بصمت حكاية لم ترو. لم أعد أذكر التاريخ بالضبط. قلت لي هذا في نوبة جنون. ثم رتبنا معاً ملابسك وبعض الكتب وأسطوانات مارسيل خليفة. ساعدتك في حمل هذه الخفة فوق ظهرك. تناولت من يدي مسكناً لوجع الحنين. نسيت أن تقبلني قبل أن تمشي .. ولم تعد.
يدان متشابكان أبداً.. الموت والحب. علاقة الرصاصة بالقلب, هواء مقتضب يمتد مباشرة بين شكراً وعفواً .
الموت ينتشر فوق رفوف المطبخ، في حقائبي, فوق الأغطية, في الغبار الذي يدخل العينين والأحذية. له رائحة دموع تنفلت كلما مر خيال سالم أو شممت عطره في الطريق. يملأ هذا الموت بإيقاع متشابك الأذرع, بلهاث متشنج كلما صعدت الأدراج وحيدة.
لا رغبة لي بسماع أية موسيقى. ولا قراءة أي كتاب. ولا الرد على الاتصالات الهاتفية. لي رغبة بان اتذكرك.. هكذا دون ردود فعل درامية, دون أية مشاعر ووجدانيات متطرفة, دون زعيق عاطفي..
*سماء واحدة لكل المدن
( ليندا حسين)